الاثنين، 7 أبريل 2014

أحتضر..

تنحنح المصعد بصافرة قصيرة، ثم فتح مصراعيه..
انتبهت أن عليَّ الدخول، انتابتني قشعريرة و سرت في أوصالي رائحة عطرية أشعلت حماسي.. يومٌ جديد!
قبل أن يبدأ النزول، دخلت فراشة يبدو أنها خرجت لتوها لتبدأ يومها المعتاد.
بشكل روتيني، قالت بالإيطالية: صباح الخير! بادلتها التحية ثم تنحنح المصعد مرة أخرى ليخبرنا أن علينا النزول. ياله من وغد! كان من الممكن أن لا يتحرك بكل تلك السرعة فيتيح لي الترحيب بتلك الفراشة كما تستحق!
صوت الموسيقى الكلاسيكية يصدح في المكان، توجهت إلى البهو الكبير و نظرت إلى أفروديت الواقفة خلف منصة الاستقبال، ابتسمت بكل حواسها و هي تستقبلني لترسم لوحة رائعة! سألتها و أنا أدقق النظر بتلك الحدائق الخضراء بعينيها إن كانت حجزت لي تذكرة العودة للوطن، بنفس الابتسامة الناصعة أكدت أنها قامت بالمهمة، أطرقت قليلا و تمتمت لا زال لدينا هذا الأسبوع، ثم قالت سنفتقدك! شكرتها على مودتها. يالها من فتاة رائعة!
نظرت في الساعة ثم تبعت رائحة القهوة حتى وصلت البهو الجانبي المطل على الحديقة! على غير العادة، يخترق ضوء الشمس القاعة على استحياء عبر نوافذها الكبيرة و يوزع الدفء على الجميع.
عليَّ أن أعد لنفسي مشروباً، صببت بعض القهوة ثم أضفت اللبن الساخن قبل أن أضع بعض الشطائر في طبق صغير و اتوجه إلى مائدة مستمتعة بالأشعة الذهبية التي تستبيحها.
نظرت في الساعة مجدداً، مازال أمامي متسع من الوقت قبل أن أذهب للعمل القابع على بعد عشرين متراً بالخارج.
نظرت إلى الشاشة الكبيرة المعلقة، كانت بلا صوت، لكنها تبث أهم القنوات الإخبارية الأوروبية، أفزعتني مشاهد لعدد من الجثث المتفحمة و القتلى محمولة على عربة يجرها حمار. يا لبشاعة المنظر! يبدو أنها بإحدى الدول الإفريقية. امتعضت و قلت لنفسي، عليهم أن يحسنوا اختيار القنوات التي نشاهدها في وقت كهذا!
أخذت رشفة من الفنجال أمامي، لاحظت على المنضدة التي بجواري زوجين-فيما يبدو- بأواخر الخمسينات و قد أفزعتهم الصور المتلاحقة، ينظر الرجل للمرأة بأسى و على وجهيهما ملامح عدم الإرتياح. رفعت رأسي مجدداً للشاشة، لم تختلف المشاهد الجديدة عن سابقتها إلا أن عنواناً كبيراً بالإيطالية ظهر أسفل الشاشة يقول:
"مذابح عرقية بجنوب مصر! عدَّاد القتلى في مصر يزداد و مرافق الدولة مدمرة!
محاولة فاشلة لاقتحام مستشفى لأمراض القلب بمدينة أسوان"!
حبست مشروبي الساخن للحظات في فمي قبل أن انتبه أن ذلك يعيق تنفسي جزئياً، كذلك وضعت الفنجال على المنضدة بغير إحكام فانسكبت بعض القطرات خارجه على يدي و على المفرش الأنيق! جففت يدي بمنديل ورقي على عجل، في اللحظة التي دنى مني رجل أربعيني يسألني إن كنت أريد مشروباً آخر! شكرته بطريقة ميكانيكية و قمت مسرعاً للخارج.
أيقظت هاتفي المحمول من سباته و أمرته أن يأخذني في زيارة روتينية افتراضية إلى أرض الوطن! هنا -لأول مرة- تبددت أصوات العصافير بالخارج بعد أن لملمت شمس الصباح الرقيقة أطرافها و تلاشت. رائحة القهوة أصبحت مشبعة برائحة أدخنة و غبار تحملها الكلمات، لم أتحملها. توقفت الموسيقى بعد أن دنت الشمس فوق رأسي! أستطيع أن أشعر بالطقس الجاف.. قطرات من العرق بدأت ترطب جبيني! أفزعتني بقع الدماء التي انتشرت على قميصي!
توقفت سريعاً أمام مرأة ضخمة، كنت أبدو طبيعياً..لكن شعرت لوهلة أن الجميع ينظر إلي بأسى، تخيلتهم يقتربون مني و يحملونني مسؤلية ما يشاهدونه في التلفاز! مررت بجوار "أفروديت" تحاشيت النظر إلى عينيها هذه المرة، وصلت إلى الباب الدَّوار الذي أخذني للخارج..
أخذت نفسا عميقاً من الهواء النقي الخالي من الأتربة و الدخان و العودام.. تخللته رائحة خفيفة لبعض الأزهار الموجودة في كل مكان..
نظرت مجدداً إلى شاشة هاتفي، كانت التعليقات المتلاحقة التي أقرأها تحمل معنى واحداً.. هناك مسرحية هزلية لانتخابات رئاسية و لم يعد هناك وطن!
نظرت خلفي عبر الباب الزجاجي، رأيت "أفروديت" منهمكة في عملها، التفت و نظرت مرة أخرى للأفق و حركة المارة.. إنيّ أحتضر!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اترك تعليقكك، شكراً